أسئلة البومة السبعة
في واحة "الأسرار" القابعة على حدود الرمال، حيث تعانق أشجار الغضا مجرى الوادي ويبيت برد الشتاء طويلاً في العظام، كان أهل البادية يتناقلون أخبار البومة التي تسكن نخلة عتيقة فوق تلة عالية. قالوا إنها أقدم من القبائل التي استوطنت الأرض، بل وأقدم حتى من النقوش الغابرة التي خُطَّت في الصخر قبل أن تُرفع الأعمدة والمباني.
لم تكن طيراً عادياً؛ بل كانت "حارسة الأسئلة"، كائناً يتربَّص بالحمقى والمتكبرين الذين يجرؤون على الاقتراب لسماع صوتها. أولئك الذين عجزوا عن حل ألغازها ابتلعهم ليل الصحراء، أما الذين صدقوا في جوابهم فقد عادوا بنفوس لم تعد كما كانت.
لم يكن "عدنان" ابن صاحب السانية أحمقاً ولا متكبراً، لكنه كان قلقاً يبحث عن اليقين. تسلَّق التلة في ليلة مقمرة، والسكينة تلف الوجود، ليبحث عن البومة.
السؤال الأول في البلاط الريشي
من بين سعف النخلة العتيقة وظلالها، برزت البومة، وكان ريشها يتلألأ كالفضة تحت ضوء القمر. وقالت بصوت له هيبة الصقيع في ليلة شاتية: "سبعة أسئلة يا عدنان.. أجب عنها جميعاً وسأمنحك حقيقة لم تدركها عقول البشر، وإن فشلت.. فلن ترى ضياء الفجر".
السؤال الأول: "ما الذي يرتفع بلا أقدام، ويسقط بلا أيدٍ، ويكسو العالم بِوشاحِه؟"
فكر عدنان في البرد الذي يغطي الرُّبَى، وأجاب: "الثلج". فأومأت البومة برأسها وقالت: "حقيقة واحدة نِلْتَ".
سؤال البومة الثاني: الجناح بين العوالم
أمالت البومة رأسها وقالت: "ما الذي يحمل الموتى دون أن يلمسهم، ويحمل الأحياء دون أن يمسَّهم؟"
تردد عدنان قليلاً، ثم تذكر سير الأجداد: "الاسم؛ فحين ننطق به، نحمل معنا الذكرى". فقالت البومة: "حقيقتان".
السؤال الثالث: بيضة سماء المساء
"ما الذي يحمل عالماً بداخله، ومع ذلك يتحطَّم بلمسة واحدة؟"
ابتسم عدنان وأجاب: "البيضة". فقالت البومة وحفيف أجنحتها يملأ المكان: "ثلاث حقائق، والمسلك يضيق".
السؤال الرابع: النهر بلا ماء
"ما الذي يتدفَّق من الماضي نحو المستقبل، لكنه لا يبلِّل كفّاً أبداً؟"
أجاب عدنان بيقين: "الزمن". فقالت: "أربع حقائق.. قليلون هم الذين بلغوا هذا المدى".
السؤال الخامس: الجذر فوق الأرض
عمَّقت البومة صوتها حتى هزَّ السكون: "ما الذي له أغصان بلا أوراق، ويوفِّر الحماية بلا ظل؟"
بعد صمت طويل وتفكير عميق، أجاب: "العائلة". فراقبته البومة بعينين كالجمر وقالت: "خمس حقائق، والليل يوشك على الرحيل".
السؤال السادس: اللهب الذي لا يحرق
"ما الذي يُدفِّئ القلب، ويُطفئ نار الغضب، ولا يستهلك نفسه أبداً؟"
شعر عدنان بثقل الأمانة وأجاب: "التسامح". فحنَّت البومة رأسها إجلالاً وقالت: "ست حقائق.. بقي لك واحد".
السؤال السابع: ظل الريشة
جاء السؤال الأخير كَهَمْسِ الريح في أذن المسافر: "ما هو الشيء الذي هو أخف من الهواء، وأسرع من الخاطر، ومع ذلك قد يُحطِّم روح رجل؟"
أدرك عدنان الجواب الحق: "الكذبة".
الحقيقة التي تغيِّر كل شيء
بسطت البومة جناحيها العظيمين، واستخرجت من بين ريشها ريشة بيضاء، طرفها مرصَّع بالذهب، وقالت: "هذه هي الحقيقة: الإجابة الأكثر حكمة ليست تلك التي تضع حدّاً للسؤال، بل هي التي تفتح باباً لسؤال أفضل منه".
عند بزوغ خيوط الفجر الأولى، نزل عدنان من فوق التلة والريشة تشعُّ نوراً خافتاً في يده. وفي السنوات التي تلت، صار حكيم القبيلة ومستشارها. وعندما وافته المنية، دفنوا معه تلك الريشة الذهبية، لكي ترافقه الأسئلة في رحلته نحو العالم الآخر.
