الشجرة الملعونة
اسمي ريحان، جئت من قرية صغيرة تقبع على حافة غابة كثيفة لا تعرف الشمس طريقاً لقلبها. منذ صغري، كانت الحكايات تُنسج حول شجرة في أعماق تلك الغابة؛ شجرة سوداء، جافة، تبدو ميتة لكنها تفيض بالشر.. يلقبونها بـ "الشجرة الملعونة". كان الكبار يقولون إن مجرد المرور بظلها هو دعوة مفتوحة للموت، وكنت أسخر من هذه الخرافات.. حتى بلغت الرابعة والعشرين، حينها أدركت أن بعض الأبواب لا يجب أن تُفتح أبداً.
في تلك الليلة، كان الهواء غريباً؛ بارداً وحاراً في آن واحد، كأن الأحياء والأموات يتنفسون معاً في رئة واحدة. انطلقنا نحن الثلاثة—أنا وعامر وزبير—نحمل الكشافات لنتحدى صمت الغابة ونرى إن كانت الشجرة حقيقة أم مجرد وهم.
كلما توغلنا، كان الظلام يزداد ثقلاً. غصون الأشجار تهمس، وضحكات خافتة تأتي من العدم. ثم رأينا ملامح الرعب في عيني عامر لأول مرة. وسط آلاف الأشجار، كانت هي هناك.. سوداء كأنها احترقت بنار الجحيم، بلا أوراق، أغصانها مجرد أشواك ملتوية تحاول القبض على السماء. لا عشب ينمو حولها، والتربة تحتها داكنة كأنها شربت دماءً قديمة.
قال زبير محاولاً كسر الصمت بضحكة مهتزة: "هذا كل شيء؟ لنلتقط صورة ونرحل". لكن في تلك اللحظة، شعرت بآلاف العيون ترقبنا. فجأة، انبعث صوت "خلخال" (Ghunghru) من تحت الأرض! ثم انطفأت كشافاتنا دفعة واحدة. ساد ظلام دامس، وفي أذني ارتجف صوت بكاء امرأة مكلومة خلف صرخة مكتومة.
حين حاولت تشغيل كشافي، تحركت الأرض تحت قدمي. صرخ زبير: "اهربوا!"، لكن أقدامنا كانت مشلولة. ومن خلف الشجرة، برز ظل نحيل، طويل، مشوه.. بلا عينين، مجرد محجرين أسودين كأنهما شموس محترقة. نطق الظل بصوت لا ينتمي للبشر: "لماذا جئتم؟".
لم يكن ظلاً فحسب، بل كان وجهاً لمحترق وأيدٍ تشبه جذور الشجر. أشار نحو الأرض، فانبثقت جثة جافة بيضاء بلا أعين، همست بآخر أنفاسها: "ارجعوا..".
حاول عامر الركض، لكن جذراً خرج من الأرض والتف حول ساقه، يسحبه نحو الأسفل بقوة مرعبة. صرخ صرخة هزت الغابة، وفي لحظة، تحولت عيناه للبياض واختفى تحت التراب، ولم يتبقَ منه سوى بقعة دم رطبة.
فقدنا صوابنا. رمى زبير حجراً نحو الشجرة، فصدرت منها صرخة زلزلت الغابة بأكملها. وفي لمح البصر، التوى عنق زبير 180 درجة وسقط ميتاً، وخرج من فمه صوت ليس صوته: "واحد آخر قد جاء..".
ركضتُ بجنون. كانت الأغصان تلاحقني كأذرع بشرية، وتمزق ثيابي، وتجرح جسدي. وصلتُ إلى حافة القرية مع بزوغ الفجر. لم يصدقني أحد، لكن الهالات السوداء تحت عيني والجروح على جسدي جعلتهم يصمتون. عامر وزبير لم يعودا أبداً.
والآن، الجزء الأكثر رعباً.. بالأمس، تحركت التربة أمام باب منزلي، وسمعتُ صوت "الخلخال" داخل غرفتي. بدأ الطين الأسود يتسلل من تحت الباب، ومعه جاء ذلك الصوت المبحوح الميت:
"لقد جاء دورك الآن..".
