الضيف الحجري
على طول الحافة الشمالية لـ مدينة المرايا، حيث تنحدر الجبال بحدة نحو مياه داكنة وساكنة، اعتقد الناس لفترة طويلة أن الحجر يتذكر ما ينساه البشر. في القرى المتشبثة بالمنحدرات وفي المنازل النبيلة المبنية من الصخر البارد، كانت القصص تنتقل بهدوء من فم إلى فم؛ تحذيرات صيغت على شكل أساطير.
من بين أكثر تلك الأساطير رهبة كانت حكاية "الضيف الحجري". لم تكن هذه قصة تُروى باستخفاف، ولا للأطفال أثناء اللعب، بل كان يُهمس بها بجانب المدافئ وبعد الجنازات، عندما كان رنين الأجراس لا يزال يتردد في التلال. كانت تتعلق بنبيل من المدينة فاق كبرياؤه الجبال نفسها، وكان سقوطه نهائياً كالحجر.
النبيل المتغطرس
عاش النبيل بشير في منزل فخم يطل على البحيرة، شرفاته منحوتة من الحجر الشاحب وقاعاته مزينة بالتماثيل المجلوبة من مدن بعيدة. كان ثرياً، متعلماً، وذا نفوذ، معتاداً على الطاعة والمديح. كان الخدم يخشونه، والجيران يتجنبون عبور طريقه.
كان يضحك على المواعظ ويسخر من الطقوس الجنائزية، واصفاً إياها بأنها أدوات خوف للفلاحين. تباهى بأن الموت لا سلطة له عليه، وأن الحجر ليس أكثر من مجرد زينة.
عندما توفي نبيل مسن، حضر بشير ليس احتراماً، بل فضولاً. كان القبر منتهياً حديثاً، يزينه تمثال منحوت بدقة للمتوفى، يداه مطويتان وعيناه مرفوعتان في صلاة أبدية. وقف بشير أمامه وضحك بصوت عالٍ: "الحجر لا يسمع.. والحجر لا يحكم". وفي لحظة من السخرية المتهورة، ضرب قدم التمثال بعصاه ونطق بكلمات ختمت مصيره: "إن كنت أكثر من مجرد صخر منحوت، فتعال وتناول العشاء معي غداً".
من حوله استعاذوا، ولم يضحك معه أحد.
قبول الدعوة
في المساء التالي، أقام النبيل مأدبة فاخرة. كانت الشموع تحترق والموائد مليئة بالطعام. رددت الموسيقى صدى في القاعة بينما كان الضيوف يتناولون عشاءهم بتوتر، قلقين من ذكرى تلك الدعوة التي وجهت على سبيل المزاح.
ثم، وبينما كان يتم تقديم الطبق الأخير، تردد صدى صوت في المنزل. ثقيل.. بطيء.. ولا يخطئه أحد. خطوات. انفتحت الأبواب دون أن تلمسها يد، واجتاح هواء بارد القاعة. وقف هناك التمثال، لم يعد مقيداً بالقبر، بل كان منتصباً، رمادياً، بلا لون حياة، لكنه يتحرك بهدف مرعب. اتجهت عيناه الحجريتان نحو النبيل.
قال الضيف الحجري، وصوته يطحن مثل اصطدام الصخر بالصخر: "لقد دعوتني.. لقد جئت". هرب الضيوف في رعب، وانطفأت الشموع، وبقي بشير وحده، شاحباً لكنه لا يزال يتظاهر بالتحدي.
الحساب
جلس التمثال إلى الطاولة، لم يلمس طعاماً أو شراباً. وجوده جمد الغرفة، وتلاشت شجاعة النبيل لأول مرة. تكلم الضيف الحجري، ليس بغضب، بل بحكم. عدد خطايا النبيل: قسوته مع الخدم، استخفافه بالموتى، وكبرياؤه في الاعتقاد بأنه فوق العواقب.
قال التمثال: "لقد ضحكت على ما لم تفهمه.. وظننت أن الصمت ضعف". حاول النبيل التحدث، لكن صوته خانه. نهض الضيف الحجري ومد يداً حجرية: "الآن.. ستجيب".
عندما لمس النبيل اليد، استولت عليه برودة لا تشبه أي برودة أرضية. بحلول الصباح، وُجد جثة هامدة، ووجهه متجمد من الرعب. لم تكن به جروح، ولم يفسر المرض موته. والتمثال.. كان قد اختفى.
التحذير الباقي
ظل منزل النبيل بشير فارغاً لسنوات. ادعى البعض سماع خطوات تتردد في قاعاته، وأقسم آخرون أنه في ليالٍ معينة، يمكن رؤية شكل حجري ينعكس في سطح البحيرة الأسود. تعلم أهل مدينة المرايا أن الغطرسة تستدعي الحساب. ومنذ ذلك اليوم، لم يسخر أحد من قبر، ولم يتحدث أحد باستخفاف عن الحجر.
