الطحان وصفقة الشيطان
في قرية هادئة تقع بين التلال المتموجة في "والونيا"، كانت هناك مطحنة قديمة تقف بجانب نهر ضيق. عجلتها الخشبية، التي كانت يوماً ما قوية وثابتة، بدأت تئن من القدم، وأصبحت أشرعتها تدور ببطء أكبر مع كل موسم يمر. كانت المطحنة ملكاً لرجل ورثها عن والده، وهو طحّان مجتهد عرف أياماً أفضل.
لكن الآن، هجره الحظ.
كانت المحاصيل سيئة لسنوات، وقلّ عدد المزارعين الذين يأتون لطحن حبوبهم. أكياس القمح التي كانت تملأ المطحنة يوماً ما، حلّت محلها الزوايا الفارغة والصمت. كان الطحّان يعمل بلا كلل من الفجر حتى الغسق، ومع ذلك، ومهما اجتهد في عمله، فإن مكاسبه كانت بالكاد تبعد الجوع عن بابه.
داخل الكوخ الصغير بجانب المطحنة عاشت ابنته، بشيرة، وهي شابة ذكية ومتزنة شاركت والدها أعباءه دون شكوى. ورغم أن حياتهما أصبحت صعبة، فقد ظلت لطيفة ومتفائلة، تفعل ما بوسعها لتخفيف قلقه.
ومع ذلك، كان يأس الطحّان يزداد عمقاً.
ليلة بعد ليلة، كان يجلس وحيداً أمام ضوء شمعة خافت، يحدق في الطاولة الخشبية المتآكلة، وعقله يستهلكه سؤال واحد: كيف يمكنه الهروب من حياة المشقة هذه؟
كان ذلك في ليلة من تلك الليالي، عندما كانت الرياح تهمس بغرابة حول المطحنة ويبدو أن النهر يتمتم بأصوات غير طبيعية، حين جاء زائر.
عرض الشيطان
سُمع طرق على الباب، كان خفيفاً في البداية، ثم أصبح أكثر قوة.
تردد الطحّان؛ فقلة من الناس يزورونه في مثل هذه الساعة.
عندما فتح الباب، وجد غريباً واقفاً في الظلام. كان الرجل يرتدي ملابس أنيقة، وبشكل يفوق بكثير أي شخص في القرية، ومعطفه لم يمسه غبار أو مطر رغم الطقس. كانت عيناه تحملان بريقاً حاداً، وابتسامته كانت ناعمة لدرجة لا تبعث على الارتياح.
قال الغريب بصوت هادئ وموزون: "طاب مساؤك، لقد سمعت عن مشاكلك".
تصلب الطحّان وقال: "لا يوجد شيء هنا يستحق اهتمامك".
أجاب الرجل وهو يخطو للداخل دون انتظار دعوة: "أوه، بل يوجد. رجل بمثل إصرارك، وبمثل حاجتك... بالتأكيد سيرحب بحل".
شعر الطحّان بالقلق يتحرك داخله، ومع ذلك لم يطرد الرجل.
سأل بحذر: "أي نوع من الحلول؟".
اتسعت ابتسامة الغريب.
قال ببساطة: "الثروة. أكثر مما يمكنك كسبه في حياة كاملة. مطحنتك ستُرمم، ومنزلك سيمتلئ، وهمومك ستنتهي".
خفق قلب الطحّان.
وقال: "وماذا تطلب في المقابل؟".
توقف الرجل، كما لو كان يتذوق تلك اللحظة.
أجاب: "فقط ما يقف خلف مطحنتك".
قطب الطحّان حاجبيه. فخلف المطحنة كان يقع بستان صغير، أشجار قديمة توقفت منذ زمن طويل عن طرح ثمار ذات قيمة. مقارنة بالوعد بالثروة، بدا ذلك ثمناً تافهاً.
قال الطحّان أخيراً: "يمكنك أخذه".
مد الغريب يده.
"إذاً لدينا اتفاق".
بتردد، صافحه الطحّان.
في اللحظة التي تلامست فيها أيديهما، سرت قشعريرة في جسده. اهتز لهب الشمعة بعنف، وللحظة وجيزة، تمدد ظل الغريب بشكل غير طبيعي على طول الجدار، ملتويًا إلى شيء أكثر ظلاماً بكثير من البشر.
ثم اختفى الغريب.
الثروة والإدراك
بحلول الصباح، كان كل شيء قد تغير.
دارت عجلة المطحنة بقوة متجددة، وحلّت مكان أنينها حركة سلسة وقوية. التقطت الأشرعة الرياح كما لو كانت موجهة بقوى غير مرئية. في الداخل، ظهرت أكياس الحبوب كما لو أنها سُلمت بأيدٍ خفية، وسرعان ما بدأ المزارعون في الوصول مرة أخرى، مدفوعين بالشائعات حول ازدهار المطحنة المفاجئ.
امتلأ صندوق الطحّان بالذهب. وتراص الطعام على طاولته. ولأول مرة منذ سنوات، عرف الراحة.
لكن ارتياحه لم يدم.
بينما كان واقفاً خارج مطحنته ذات بعد ظهر، يراقب ضوء الشمس وهو يسقط على الأرض، جاءت ابنته بشيرة تمشي من خلف المبنى، وهي تحمل سلة من الأعشاب التي جمعتها للتو.
توقفت عندما رأت تعبير وجهه المضطرب.
سألت بلطف: "أبي، ما الذي يزعجك؟".
توقف نَفَس الطحّان.
خلف المطحنة.
ترددت الكلمات في ذهنه مثل لعنة.
نظر إلى ابنته، طفلته الوحيدة، التي كانت تقضي وقتها غالباً في رعاية المساحة الصغيرة خلف المطحنة.
استقر فوقه إدراك بارد.
البستان لم يكن فارغاً على الإطلاق.
لقد كانت هي.
ثقل المقايضة
تحول فرح الطحّان إلى رعب.
مرت الأيام، ورغم نمو ثروته، لم يجد فيها أي راحة. كل صوت في الليل كان يجعله ينتفض، وكل ظل يبدو وكأنه يتحرك بهدف خفي. تجنب النظر إلى ابنته، غير قادر على تحمل الذنب الذي يثقل كاهله.
أخيراً، أخبرها بكل شيء.
استمعت في صمت، وكان وجهها شاحباً ولكنه ثابت.
عندما انتهى، بدا الصمت في الغرفة لا يطاق.
قالت بهدوء: "لقد عقدت صفقة مع الشيطان".
أحنى الطحّان رأسه.
قال وصوته يتهدج: "لم أفهم. ظننت أنه البستان فقط. لم أكن أعرف...".
وضعت ابنته يدها على كتفه.
قالت: "ما حدث لا يمكن التراجع عنه بالندم وحده. ولكن ربما يمكن إبطاله بالتفكير".
رفع الطحّان عينيه، والأمل يلمع بضعف.
تابعت قائلة: "لست أول من يُخدع. والشيطان، رغم كل دهائه، ملزم بالصفقات التي يعقدها".
عودة الشيطان
في الليلة المحددة، ارتفعت الرياح مرة أخرى، حاملة معها نفس الهمس غير الطبيعي.
عاد الغريب.
هذه المرة، لم يكن هناك أي تظاهر باللطف. ملأ وجوده الغرفة بوزن ثقيل وخانق.
قال: "لقد جئت لأطالب بما هو لي".
ارتجف الطحّان، عاجزاً عن الكلام.
لكن ابنته بشيرة تقدمت للأمام.
قالت بهدوء: "يمكنك المطالبة فقط بما تم الاتفاق عليه".
ضاقت عينا الشيطان.
أجاب: "وما تم الاتفاق عليه يقف خلف المطحنة".
قالت: "نعم. ولكنك لم تسمِّه. والاتفاق يجب أن يكون واضحاً".
مرت مسحة من الانزعاج على وجهه.
قال: "أنا أعرف ما الذي يقف هناك".
ردت: "هل تعرف حقاً؟ إذاً خذه".
الهروب الذكي
التفت الشيطان ومشى نحو الجزء الخلفي من المطحنة.
كان هواء الليل مشحوناً بالتوتر وهو يخطو إلى البستان.
لكن ما وجده هناك لم يكن ما يتوقعه.
لقد تم إخلاء المكان. الأرض، التي كانت يوماً مليئة بالأشجار والمسارات المألوفة، أصبحت الآن فارغة، مُغيرة تماماً لدرجة أنه لم يبقَ شيء كما كان عليه.
وقفت الابنة على مسافة، تراقب.
قالت: "كما ترى، ما كان يقف خلف المطحنة لم يعد يقف هناك. لم يتم الوفاء بشروط اتفاقك".
أظلم تعبير الشيطان.
قال: "تظنين أنكِ تتفوقين عليّ بالخدع؟".
أجابت: "أظن فقط أنني ألزمك بكلماتك الخاصة".
وللحظة طويلة، بدا الهواء وكأنه يرتجف بقوة غير مرئية.
ثم أطلق الشيطان ضحكة منخفضة وباردة.
قال: "أنتِ ذكية. ذكية بما يكفي للهروب من هذا الاتفاق".
تحولت نظرته إلى الطحّان.
"لكن تذكر هذا، مثل هذه الاتفاقات تحمل دائماً ثمناً".
ومع ذلك، اختفى، تاركاً وراءه فقط صدى صوته وهمس الرياح المتلاشي.
استعادة الحرية
انهار الطحّان من الارتياح، وقد زال العبء عنه أخيراً.
الثروة التي جاءت فجأة بدأت تتلاشى، كما لو أنها لم تكن ملكاً له حقاً. عادت المطحنة إلى حالتها السابقة، لم تتحطم، بل أصبحت صادقة، تعيش مرة أخرى على العمل الجاد بدلاً من الوسائل غير الطبيعية.
ومع ذلك، هذه المرة لم ييأس الطحّان.
عمل بهدف متجدد، مسترشداً بالدرس الذي تعلمه. وبقيت ابنته بشيرة بجانبه، بحكمتها وقوتها كمصدر دعم دائم.
ورغم أنهم لم يعودوا أثرياء، إلا أنهم كانوا أحراراً.
وفي تلك الحرية، وجدوا شيئاً أعظم بكثير من الذهب.
