العباءة المخيطة بالنجوم
في الأطراف الشمالية من لاتفيا، حيث ترتجف أشجار الزيزفون حتى في الصيف وتحمل الرياح همسات من السماء، عاشت نساجة متواضعة تُدعى مارا. لم تكن تعمل بخيوط عادية، بل بجدائل من الضوء، وكل ليلة كانت تبسط عباءة فوق كوخها الصغير؛ منسوجة بخيوط فضية ومرصعة بخرز يعكس النجوم. أطلق عليها القرويون اسم "العباءة المطرزة بالنجوم"، وأقسموا أنها تمنح دفئاً يفوق أي نار. لكن أحداً لم يعرف سر مارا: العباءة كانت تخص ابنة السماء.
عباءة النجمة الساقطة
قبل سنوات طويلة، حين كانت مارا فتاة صغيرة، وجدت لفة غريبة عالقة بين أغصان صنوبرة قديمة خلال زخّة شهب. في الداخل كانت توجد عباءة تتلألأ بكوكبات لا توجد في أي خريطة أرضية. وتحتها كانت ترقد فتاة، مذهولة وصامتة، عيناها بلون الغسق. آوتها مارا في كوخها واعتنت بها حتى استعادت عافيتها. لم تتحدث الفتاة قط، بل كانت تكتفي بالإشارة إلى النجوم كل ليلة، وأصابعها ترتجف كأنها تسمي موطنها. ظن القرويون أنها قريبة لها من الشرق، لكن مارا كانت تعلم اليقين؛ لقد احتضنت كائناً ليس من هذا العالم.
ثم في صباح أحد الأيام، اختفت الفتاة، لكن العباءة بقيت؛ مطوية بعناية عند عتبة الباب، مبللة بالندى. بكت مارا لثلاثة أيام، ثم خاطت دموعها في حاشية العباءة.
العباءة والمسافر
مرت السنين، وأصبحت مارا أسطورة في أسواق النسيج؛ كانت عباءاتها "النجمية" تباع بثروات، لكنها لم تفرط أبداً في العباءة الأصلية. ظلت تضعها فوق كتفيها أو تعلقها فوق بابها، كحارس صامت.
ذات يوم، وصل جندي شاب يُدعى فيستورس، منهكاً من الحرب ونصف متجمد من المسير في المستنقعات. طلب مأوى ورأى العباءة. همس قائلاً: "أنتِ ترتدين سماء الليل".
سمحت له بالدخول.
بجانب النار، أخبرها عن أحلام غريبة: نساء ببراقع فضية يسحبن النجوم على طول أنهار سوداء، وعباءاتهنّ تخشخش كريح في أشجار الشوح. لم تتكلم مارا، لكن يدها لمست العباءة الأصلية، فخفقت العباءة بضعف، وكأنها تنصت. وفي تلك الليلة، نام فيستورس تحت العباءة ولم يستيقظ حتى الظهر، وقال لها: "لقد حلمتُ بها.. إنها تريد العودة".
العباءة بين عالمين
اعتبرت مارا ذلك إشارة. مشت مع فيستورس إلى أعلى تلة خارج القرية، حيث تلتلتقي السماء والأرض. هناك، بسطت العباءة فوق حلقة من الأحجار أقدم من أي خريطة. كانت النجوم محجوبة بالغيوم، لكن النسيج ظل يتلألأ.
غنت مارا؛ تهويدة بصوت "فتاة السماء" الذي تذكرته في أحلامها. ومع غنائها، هبت الريح وارتفعت العباءة عن الأحجار كأنها شراع. ثم—وقْع خطى. خفيفة، ناعمة، سماوية.
لقد عادت الفتاة.
خطت الفتاة نحو التلة وهي ترتدي عباءة جديدة، منسوجة من غيوم العواصف وضوء القمر. التقت عيناها بعيني مارا. لم تُنطق أي كلمة، لكن فيستورس رآهما تتعانقان. ثم التفتت الفتاة إليه.
قالت: "لقد حلمتَ بي.. والحلم يسحب الخيط".
وضعت عباءتها الخاصة فوق كتفي فيستورس، ثم تلاشت مرة أخرى في سماء الليل، ساحبةً وراءها عباءة مارا المطرزة بالنجوم، تاركةً خلفها شرارات كغبار المذنبات.
العباءة التي تتذكر
عاد فيستورس إلى القرية مرتيداً "عباءة القمر". أصبح معالجاً، ومصغياً للأحلام. كل شتاء، كان يعلق عباءة فتاة السماء بجانب موقده، حيث كانت تلمع بنعومة وتخيط الصمت وتحوله إلى سلام.
الأطفال الذين وُلدوا تحت وهجها لم يخشوا الظلام قط. والعشاق تزوجوا تحت ظلالها. وقال أكبر القرويين سناً إن العباءة كانت تهمهم عندما تقترب العواصف أو عندما تستعد روحٌ للرحيل. وعندما هرم فيستورس وحان وقته، لف نفسه بها للمرة الأخيرة، واستلقى بجانب النهر، وتلاشى مع ضباب الصباح.
يقول البعض إنه انضم إليها.
