القلعة التي ابتلعت الملوك
في قلب وادي "مورافا"، حيث يزحف الضباب كالذئاب حول أقدام الجبال، وقفت "غراد سينكي"؛ قلعة الظلال. لم يتذكر أحد من بناها؛ أقسمت بعض العجائز أنها رُفعت بأيدي الرومان تحت أنظار آلهة منسية، بينما ادعى آخرون، ممن أثملهم خوفهم، أن العمالقة رصوا أحجارها في ليلة واحدة، تحت قمر لم يجرؤ على البزوغ.
لم تكن أبراجها تلتقط ضوء الشمس، حتى في وضح النهار. تجنبها الغربان، وعوت الذئاب حولها لكنها لم تعبر عتبتها المتداعية أبداً. والأكثر ريبة من ذلك كله: أن قاعة عرشها كانت بلا نوافذ، ولم يسبق لأحد أن رأى شعلة نار تظل متقدة بداخلها.
في الأيام الغابرة للمملكة القديمة، كان الملوك يزحفون نحوها برايات تخفق وأبواق تصدح بالمجد، لكن لم يعد منهم أحد قط. كانت البوابات تنفتح على مصراعيها بصرير عميق، ثم تنغلق بارتطام طاحن كأنما حجرٌ يمضغ عظماً.
لذا، قال الناس في همسهم: "القلعة لا تؤوي الملوك.. بل تبتلعهم".
زحف الملك الأخير
الملك "بيتار الثالث"، الشاب ذو الشعر الذهبي والمبتلى بحماقة الكبرياء غير المختبر، سخر من الحكايات القديمة. قال لمستشاريه: "القلعة حجارة، والحجر لا يأكل رجلاً.. الحجر ليس له أسنان".
لكن البلاط كان قد ترهل بالخمر والمنافقين، وأصوات الحكماء خفتت عاماً بعد عام. ورغم توسلات العقلاء، ركب "بيتار" مع مئة من فرسانه نحو "غراد سينكي". نفخت الأبواق، وأنّ الجسر المتحرك الذي لم يُستخدم منذ عقود تحت حوافر خيولهم.
وفجأة، ودون أن تلمسها يد، سقطت البوابة الحديدية بعنف، وابتلع ضباب الفناء الفرسان كما يختفي النَفَس على المرآة. ومع الغسق، كان الأثر الوحيد المتبقي هو تاج "بيتار" الذهبي، ملقى خارج البوابة، ساطعاً وكأنه صُنع للتو.
الفتاة التي انتظرت عند الأسوار
"ميلينا"، ابنة الحداد التي ولدت والنار تسري في عروقها، أحبت "بيتار" من بعيد منذ أن كانا طفلين يسرقان الإجاص من البستان. وعلى عكس الآخرين، آمنت أنه لا يزال حياً؛ ليس ميتاً، بل سجيناً.
في الليلة السابعة بعد اختفائه، وتحت قمر باهت كالعظم، تسلقت "ميلينا" الجدار الخارجي المكسو باللبلاب وتسللت للداخل. لم يعترضها حارس، ولم يدق جرس. كان الصمت هو أرعب الأصوات على الإطلاق.
في الداخل، تاهت في متاهة من الممرات التي تنحني لتعود إلى نفسها، وسلالم تنتهي في الهواء، ومرايا لا تعكس صورتها بل صور غرباء ماتوا منذ زمن طويل. وأخيراً، في قاعة شاسعة ابتلعت صوت خطواتها، وجدت "ميلينا" "ردهة بلا فجر". هناك جلس العشرات من الملوك في أزيائهم القديمة، بعضهم عرفته من اللوحات، وآخرون تيجانهم مغطاة بالصدأ والدم الجاف.
لم يكونوا موتى.. ولم يكونوا أحياء. بل حدقوا للأمام بعيون لا ترمش، عالقين في نومٍ يقظ.
مقايضة "ردهة بلا فجر"
من الظلال خلف العروش، خطت امرأة ملتحفة بخيوط العنكبوت، ترتدي تاجاً من مسامير ملتوية وعيناها كالعقيق الأسود المتشقق. لم تكن تمشي، بل كانت تنزلق، وصوتها كان كصرير الأبواب العتيقة.
قالت: "أنا أحتفظ بهم لأنهم جاءوا بقلوب جشعة. سعوا وراء الذهب والقوة والمجد، ونظروا إلى ردهاتي فرأوا فقط ما يمكنهم أخذه".
سقطت "ميلينا" على ركبتيها: "إذًا خذيني أنا. دعي سبيله، دعيه يعيش".
أمالت المرأة رأسها: "آه، العرض القديم المعتاد. لكنكِ أسأتِ فهم التعويذة. لا يمكن لملك أن يرحل طالما بقي تاجه. خذي التاج، وستأخذين مكانه".
حرقت الدموع عيني "ميلينا". ومع ذلك، مدت يدها ورفعت تاج "بيتار".
تحول الملوك إلى غبار في مقاعدهم. ومضت المشاعل مرة، مرتين، ثم انطفأت.
استيقظ "بيتار" وحيداً فوق العشب أمام مكان القلعة التي اختفت. أشرقت الشمس لأول مرة منذ أسابيع. تاجه اختفى، والقلعة اختفت، و"ميلينا" أيضاً اختفت.
لكن أحياناً، في الليالي الباردة، عندما تعوي الرياح بنغمة معينة فوق وادي "مورافا"، تحمل معها صوت خطوات تذرع ردهات حجرية.. لم يعد لها وجود.
