سر القطة البيضاء
منذ زمن بعيد، عاش ملك عظيم في مدينة السحاب، وكان له ثلاثة أبناء شباب، كلهم طموحون وشجعان. خشي الملك أن يتنافس أبناؤه على العرش قبل أوانه، فأراد أن يشغلهم بمهمة تظهر مهاراتهم، فقال لهم: "يا أبنائي، أريد أن أعتزل الحكم، ولكن قبل ذلك، أريد منكم طلباً. من يحضر لي أجمل وأصغر كلب في العالم، سأعطيه التاج".
انطلق الأمراء الثلاثة، واتفقوا على اللقاء بعد عام في نفس المكان. الأمير الأصغر، باسم، كان الأكثر اجتهاداً في البحث، لكنه أضاع طريقه في غابة مظلمة وسط عاصفة رعدية. وبينما كان يتخبط بين الأشجار، رأى ضوءاً بعيداً، فتبعه حتى وصل إلى قصر بواباته من ذهب وجدرانه من خرسانة مرصعة بالياقوت.
عندما طرق الباب، فتحت يد "خفية" الأبواب له. دخل ولم يجد بشراً، بل وجد صفوفاً من القطط واقفة بانتظام، بعضها يعزف الموسيقى وبعضها يرتدي ملابس رسمية. ثم ظهرت ملكة القطط: قطة بيضاء صغيرة وجميلة جداً، تجلس على عرش صغير وتضع غطاءً أسود على رأسها دلالة على الحزن.
قالت له بنبرة رقيقة: "باسم، أهلاً بك. لا تخف، ستجد هنا كل ما تحتاجه".
عاش باسم في القصر عاماً كاملاً في رفاهية لا توصف؛ كانت القطة البيضاء تحاوره بحكمة، وتشاركه الصيد (حيث كانت القطط تصطاد الفئران كأنها جيوش منظمة)، وكانت تقام له المآدب الفاخرة. ومع اقتراب موعد العودة، شعر باسم بالحزن لأنه لم يجد الكلب المطلوبة.
قالت له القطة: "لا تقلق، خذ ثمرة البلوط هذه، وافتحها فقط أمام والدك".
عاد باسم إلى مدينة السحاب، وكان إخوته يسخرون منه ومعهم كلاب غالية الثمن. لكن عندما فتح باسم ثمرة البلوط، خرج منها كلب صغير جداً يمر من خلال خاتم الملك! فبهت الجميع.
الملك، الذي لم يكن مستعداً للتنازل بعد، قال: "أحضروا لي قطعة قماش تمر من ثقب إبرة الخياطة".
عاد باسم إلى الغابة وقضى عاماً آخر مع القطة البيضاء. وفي النهاية أعطته "جوزة". وعندما فتحها أمام الملك، خرج منها قماش طوله مئات الأمتار، مرسوماً عليه تاريخ العالم، ومع ذلك مرّ كله من ثقب الإبرة!
أخيراً، طلب الملك الطلب الأصعب: "من يحضر أجمل أميرة، سيتوج ملكاً".
عاد باسم وهو حزين، لأنه أحب القطة البيضاء بصدق ولا يريد غيرها. قالت له القطة في الليلة الأخيرة: "باسم، إذا كنت تحبني حقاً، عليك أن تقطع رأسي وذيلي وتلقيهما في النار".
رفض باسم بشدة وبكى، لكنها أصرت قائلة: "هذا هو طريقي الوحيد للنجاة".
بيد مرتعشة، نفذ باسم طلبها. وفجأة، تحول القصر من قصر للقطط إلى قصر ملكي يعج بالبشر، وتحولت القطة إلى أميرة لم ترَ العين أجمل منها. قالت له: "لقد سحرتني جنية شريرة وحولتني وجيشي إلى قطط، وشرط كسر السحر كان أن يقتلني أمير يشبهك في نبل أخلاقه".
عادا إلى مدينة السحاب بموكب مهيب. وعندما رآهما الملك، لم يجد بداً من الاعتراف بتفوق باسم. لكن الأميرة، التي كانت تملك ممالك شاسعة، قالت للملك: "احتفظ بمملكتك لأبنائك الآخرين، وسأهدي أنا لـ باسم ثلاث ممالك من ممالكي لنحكمها معاً".
وهكذا، بفضل صبره ولطفه، نال باسم العرش والحب والوفاء.
