شجرة البلوط التي تمشي عند الغسق
في قرية "لانويذ" القابعة عند أطراف الوادي، كانت تقف شجرة بلوط ضخمة جداً لدرجة أن أغصانها كانت تظلل ضفة النهر، وجذورها تضرب في الأرض أعمق من أي بئر. كان الناس يلقبونها "شجرة البلوط العتيقة".
قالوا إنها صمدت هناك منذ أن لبس الملوك التيجان، ومنذ أن أنشد الحكماء تحت ضوء القمر. كان لحاؤها يحمل التمائم، وأوراقها تشفي الحمى، وثمارها تجلب البركة للمواليد الجدد. لكن كان لها طبع واحد غريب؛ ففي بعض أوقات الغسق، حين يزحف الضباب من الوادي، لم تكن الشجرة تبقى في مكانها، بل كانت جذورها تتحرك وظلها يمتد عبر المزارع. وكان يُقال: "إذا قطعت عهداً تحتها، فقد تجد الشجرة واقفة عند باب دارك في الليلة التالية.. تنتظر".
العهد تحت البلوطة
في خريف أحد الأعوام، فقد راعٍ يُدعى "جاسر" ثلاثاً من أغنامه في المستنقعات. ومن شدة غضبه، أقسم تحت شجرة البلوط العتيقة قائلاً:
"إن وجدتُ أغنامي، سأهدي للشجرة عطاءً أغلى من الذهب".
عادت الأغنام في اليوم التالي وهي تصيح عند بوابته. ضحك جاسر من قسمه، وظن أن الأمر قد انتهى ولم يعره اهتماماً. لكن عند الغسق، لمح شيئاً بطرف عينه؛ أغصاناً تتأرجح رغم سكون الريح، وجذوراً تزحف فوق العشب كأصابع تبحث عن شيء ما. ومع حلول الليل، كانت "شجرة البلوط العتيقة" واقفة عند طرف مرعاه، وكان جذعها يئن وكأنه يتنفس.
السير عند الغسق
فرَّ جاسر إلى مجلس كبار القرية، حيث شحبت وجوه الشيوخ عند سماع قصته. قالت "عمرة" الحكيمة: "لقد قطعت وعداً لشجرة البلوط العتيقة، وهي الآن تمشي لتطالب بما هو مدين لها. الأرض لا تنسى الكلمات التي تخرج من القلب".
في تلك الليلة، لم ينم جاسر؛ كان الضباب كثيفاً وبدأ يسمع نقراً منتظماً على نوافذ بيته، وكأنها أصابع خشبية. وفي حلمه، رأى الشجرة وقد تحول لحاؤها إلى وجه عجوز يهمس بصوت يشبه حفيف الأوراق: "أين هو العطاء الذي هو أغلى من الذهب يا جاسر؟"
العطاء الممنوح
في الصباح التالي، حاول جاسر أن يخدع الشجرة؛ دفن صرة من الذهب تحت جذورها التي وصلت إلى بابه، لكن الشجرة لم تتحرك، بل زاد طول ظلها حتى غطى بيته بالكامل، فأصبح الكوخ في ظلام دامس وسط النهار.
أدرك جاسر يَأْسَه وعاد إلى الحكيمة، فقالت له: "الذهب يغذي الطمع، لكن الحياة تغذي الأرض. ابحث عن بذرة البقاء". عاد جاسر بقلب خاشع، وانحنى بتواضع ليلتقط أصغر ثمرة بلوط سقطت من أغصانها. ذهب بها إلى "المستنقع المالح" حيث فُقدت أغنامه، وحفر حفرة بيديه وزرع الثمرة، وسقاها بدموع ندمه على استخفافه بالعهد.
الخاتمة: الفجر الجديد
عندما أشرقت شمس اليوم التالي، استيقظ جاسر ليجد النور يملأ بيته. خرج مسرعاً فلم يجد أثراً للشجرة عند بابه، بل وجد آثار جذورها العميقة تعود نحو النهر. ركض نحو المستنقع، فوجد الثمرة قد نبتت وأصبحت شجيرة فتية قوية في ليلة واحدة.
ومنذ ذلك الحين، صار في القرية شجرتا بلوط؛ القديمة والفتية. ويقول الناس إنك إذا مررت بهما عند الغسق، قد ترى إحداهما تتمايل وكأنها تستعد لتخطو خطوة أخرى نحو من ينسى وعوده.
