صفقة الغراب
في قرية "روند"، حيث يتدفق ضباب البحر كالحليب المسكوب، وتحكي الجرف الصخرية الحكايا عندما تعوي الرياح بنغمة معينة، عاش صبي يُدعى إسبن. كان الأصغر بين سبعة إخوة، والوحيد الذي كانت جيوبه تمتلئ بالحصى أكثر من العملات، وبالأفكار أكثر من العضلات.
وبينما كان إخوته يصطادون، ويتقاتلون، ويتزوجون، كان إسبن يجوب الغابة، يجمع الفطر، ويحاور الأشجار، ويصغي إلى الغربان وهي تنعق بإنذاراتها من فوق مئذنة الكنيسة.
ذات يوم، ومع اقتراب شتاء قارس وسخرية عائلته من يديه الفارغتين، تغلغل إسبن في الغابة أعمق من أي وقت مضى. هناك، في قلب الغابة المتجمدة، وقف غراب أطول من رجل، بريش داكن كأشرعة السفن الغارقة وعيون تشبه الحبر اللامع.
قال الغراب: "أنت لا تخاف البرد".
فأجابه إسبن: "أنا أخاف أن أكون عديم الفائدة أكثر".
أمال الغراب رأسه وقال: "إذًا، لِنعقد مقايضة".
المقايضة في عين الغراب
قال الغراب وهو يخطو كتاجر في سوق: "سأمنحك ثلاثة أشياء؛ أولاً، كيس يمتلئ بالفضة عند كل فجر. ثانياً، عباءة تجعلك غير مرئي لمن ينوي بك شراً. وثالثاً، لساناً ذلقاً بما يكفي لتخليص نفسك من فم تنين".
سأل إسبن: "وماذا أعطيك في المقابل؟" وكان يتخيل بالفعل كوخاً بجانب المضيق البحري، وبطناً ممتلئة بالمرق، وحياة لا يجرؤ فيها أحد على وصفه بعديم الفائدة مجدداً.
قال الغراب مع ضحكة مكتومة ومنخفضة: "فقط اسمك".
وافق إسبن، الذي لم يرَ أن اسمه قد قدم له الكثير من قبل.
وفي اللحظة التي نطق فيها بالمقايضة جهراً، فتح الغراب منقاره واسعاً وابتلع اسم إسبن كأنه حبة توت.
فضة في الكيس.. وظلال على الروح
تغيرت الحياة بسرعة.
بفضل كيس الفضة، أصبح إسبن أغنى شاب في "روند". اشترى قوارب إخوته، وبيوتهم، وحتى الكرسي الذي كانت تجلس عليه أمهم. أبقت العباءة الرجال الحاقدين بعيداً عنه، وأدخله لسانه الذلق إلى بلاط الحاكم، حيث صفق النبلاء لذكائه وحلمت الفتيات بابتسامته.
لكن الرجل بلا اسم يمشي غريباً في هذا العالم.
عندما سأله كاهن القرية عن اسمه ليدونه في سجل الزواج، جف ريق إسبن. وفي الأسواق، بدأ الناس يتهامسون: "إنه ليس واحداً منا". بدأ الأطفال يبكون عند مروره، وكانت الكلاب تزمجر كأنما تشم فيه رائحة شيء قديم وخاطئ.
ثم، في إحدى الليالي، حلم إسبن أنه يقف على حافة البحر، والغراب ينتظر بأجنحة سوداء مفرودة.
قال الغراب: "حتى الفضة يقتلها الصدأ مع الوقت. هل أنت مستعد لتدفع بقية الثمن؟"
لعبة الغراب: الذكاء الذي يكسر اللعنات
استيقظ إسبن برعب، وأسرع إلى المنحدرات حيث التقى بالغراب لأول مرة. هناك، كانت الأشجار قد ذبلت والثلج لا يذوب. كان الغراب يجلس فوق كومة حجرية، يشحذ منقاره على عظم.
صرخ إسبن: "أريد استعادة اسمي".
قال الغراب: "المقايضة هي المقايضة".
رد إسبن: "لكن الرجل الذكي يحتفظ بهدية رابعة: ذكاءٌ وُلد من الندم".
نعب الغراب ببهجة وقال: "إذًا، لِنعقد مقايضة جديدة. يجب أن تهزمني في لعبة الحقائق. كذبة واحدة، ويصبح اسمك ملكي للأبد".
وافق إسبن.
وبدأت اللعبة.
قال إسبن: "لقد وُلدتُ الابن السابع".
قال الغراب: "حقيقة".
قال إسبن: "لقد قبلتُ أميرة وعشتُ لأروي ذلك".
قال الغراب: "حقيقة، وإن كان ذلك بالكاد".
قال إسبن: "سأعقد نفس المقايضة مرة أخرى لو عاد بي الزمن".
نعب الغراب بصوت حاد: "كاذب!".
انشقّت السماء بالبرق، وارتجفت الغابة. طار اسم إسبن من منقار الغراب كأنه ريشة واستقر في صدر صاحبه. استقام كتفاه، وتلاشت الظلال التي كانت تلاحقه.
