عازف المزمار الملعون من جبال الألب
منذ زمن بعيد، حين كان الرعاة لا يزالون يجوبون الممرات العالية بأجراس ماعزهم الرنانة، وحين كان الثلج يتساقط كأنه ستائر سميكة، عاش في قرية "أندرمات" عازف مزمار يُدعى لوكاس.
كان لوكاس يعزف على بوق الألب ليعيش، لكنه كان يعزف على مزماره الخشبي ليحيا. كانت موسيقاه قادرة على استدعاء الحملان من فوق الجروف، وجعل الصقور تنحني في منتصف طيرانها. وزعم الناس أن ألحانه يمكنها تغيير الطقس، أو جذب الفراشات المضيئة من بين الكتل الجليدية، أو تخفيف آلام الولادة. لكن لوكاس ظل متواضعاً، حتى أتاه لحنٌ في المنام.
أطلق عليه اسم "اللحن الأخير ".
ولم يكن ينبغي له أبداً أن يعزفه.
حسد العازف
لسنوات طويلة، كان لوكاس محبوباً. لكن المدح، تماماً مثل الثلج الذائب، يتسلل إلى الشقوق فيدمرها.
في أحد الصيفات، جاء فتى يُدعى "إميل" إلى البلدة ومعه صافرة من العظم وأصابع رقيقة كأجنحة العصافير. كان عزفه بسيطاً، لكنه حلو كالعسل البري. ترك الناس لوكاس ليستمعوا إلى ترانيم الصبي البسيطة، حتى الماعز أمالت آذانها إليه.
اشتعلت المرارة في قلب لوكاس. شحذ قصب مزماره كأنها خناجر، وظل يتدرب حتى الفجر. لكنه في غمرة غيرته، نسي أن الموسيقى كانت يوماً صلاته، وليست مصدر قوته.
وهكذا، عندما عاد إليه "اللحن الأخير" في المنام—كاملاً بشكل مخيف، ومحفوراً كالصقيع على روحه—استيقظ وعزفه على الفور.
تجمّد القرويون في أماكنهم.. ثم ارتجفت الأرض.
أغنية الانهيار الجليدي
من فوق القمم الصخرية، بدأ هدير هائل. بدا وكأنه قرع طبول، أو ربما مئة صوت تدندن معاً.
ثم جاء الانهيار.
جرف الثلج والجليد والحجارة كل شيء في طريق الجبل؛ ابتلع الماعز، والأسوار، ونصف الكنيسة. صرخ القرويون، لكن اللحن استمر، يتردد صداه عبر الجنون الأبيض. حاول لوكاس أن يتوقف، لكنه لم يستطع؛ كانت أصابعه تتحرك وكأنها ممسوسة، وابيضّت عيناه، وتقطع أنفاسه.
ولم يتوقف الثلج إلا عندما تلاشت النوتة الأخيرة.
عندما نبشوا الثلج ليخرجوه، كان لوكاس لم يصب بأذى.. لكن القرية لم تعد كما كانت.
لعنة اللحن المتردد
منذ ذلك اليوم، نُفي لوكاس. تاه من وادٍ إلى وادٍ، يعزف للأغنام، وللريح، ولا يعزف لأحد على الإطلاق. حاول نسيان اللحن، لكن اللحن كان يلاحقه؛ يتردد في صفيره، وينبض في أحلامه، حتى الطيور كانت تصمت حين يبدأ العزف.
يقول البعض إنه تاه في أعالي جبال الألب واختفى. ويقول آخرون إنه أصبح شبحاً يغوي المسافرين ويسحبهم إلى المنحدرات بلحنه الجنائزي.
لكن ثمة حكاية واحدة بقيت:
بعد سنوات طويلة، تسلق "إميل"—الذي أصبح الآن رجلاً حكيماً ولطيفاً—نفس القمة التي عزف فيها لوكاس للمرة الأخيرة. وهناك، وجد مزمار لوكاس الخشبي عالقاً في الجليد، ولا يزال دافئاً عند لمسه.
أمسك به.. لكنه لم يعزف.
بدلاً من ذلك، دفنه تحت كومة من الحجارة، وتلا صلاة من أجل ذلك الرجل الملعون، ثم نزل من الجبل بلا موسيقى.
وفي تلك الليلة، في قرية "أندرمات"، أفاد القرويون بسماع نوتة موسيقية ناعمة وممتنة.. تحملها الرياح.
