منصور والقاضي
في مدينة الأنوار الصاخبة، حيث تسكب الشمس ذهبها فوق الأسطح القرميدية والشوارع الحجرية الضيقة، عاش شاب يدعى منصور. كان الجميع يعرفه؛ البعض وصفه بالأحمق، والبعض الآخر رآه بسيطاً لا يضر. كان الأطفال يتبعونه في السوق، يضحكون على إجاباته الحرفية ومنطقه الغريب، بينما كان الكبار يهزون رؤوسهم ويتمتمون بأنه لن يصل لشيء أبداً.
ومع ذلك، امتلك منصور هبة عجيبة: لقد كان يأخذ الكلمات تماماً كما تُنطق. لم يكن يلوّنها لتناسب الظروف، ولم يكن يفترض ما يعنيه الآخرون وفشلوا في قوله. في عالم يعتمد فيه الناس على التلميحات والعادات، جعله هذا الطباع يبدو سخيفاً، لكنه جعله أيضاً خطيراً بطرق لم يدركها إلا القليل.
في أحد بعد ظهيرة الصيف، اندلع خلاف أدى بـ منصور للمثول أمام قاضي المدينة. ادعى تاجر ثري أن منصور قد أساء إليه؛ فوفقاً للتاجر، كُلف منصور بمهمة بسيطة وواضحة، لكنه نفذها بطريقة حمقاء تسببت في أضرار. وبسبب غضبه ورغبته في جعله عبرة للآخرين، طالب التاجر بالعدالة.
رُفعت القضية أمام القاضي، وهو رجل صارم تستند سلطته ليس فقط على منصبه، بل على خوف الناس من إغضابه. كانت ثيابه دائماً ناصعة، وكلماته مدروسة، ونظرته حادة. كان يؤمن بشدة بالنظام والاحترام.
عندما دخل منصور قاعة المحكمة، تجمع الناس حوله، متوقعين الإحراج أو ربما العقاب، وبالتأكيد الكثير من الارتباك.
تنحنح القاضي وقال بوقار: "منصور، أنت متهم بسوء السلوك. ماذا لديك لتقول؟".
نظر منصور حول الغرفة بهدوء وأجاب: "سعادة القاضي، لقد فعلتُ ما قيل لي".
تقدم التاجر بغضب: "إنه يسخر من المحكمة! لقد أعطيته تعليمات واضحة".
التفت منصور إلى التاجر: "لقد قلتَ لي أن أتصرف بشكل لائق، لذا تصرفتُ بشكل لائق".
مرت ضحكة خافتة في الغرفة قبل أن يسكتها القاضي بإيماءة حادة، وسأل: "ماذا تقصد بكلمة 'لائق'؟".
أجاب منصور بصدق: "لقد تصرفتُ بالطريقة التي رأيتُ بها الرجال المهمين يتصرفون دائماً. لقد اتبعتُ مثالك".
انتشرت همهمة بين الحاضرين، فتصلب تعبير القاضي وقال: "اشرح نفسك".
تحدث منصور دون تردد: "عندما يتحدث الرجال المهمون، يتحدثون بصوت عالٍ ليسمعهم الجميع. عندما يكونون غير راضين، يظهرون ذلك بوضوح. وعندما يعتقدون أنهم على حق، لا يستمعون للآخرين. لقد راقبتُ بعناية، لذا عندما كنتُ في منزل التاجر، تصرفتُ كما رأيتُ السلطة تتصرف".
احتج التاجر: "هذا هراء!".
رمش منصور بعينيه وقال: "أهو كذلك؟".
انحنى القاضي للأمام: "هل تتهم هذه المحكمة بالظلم؟".
هز منصور رأسه بسرعة: "لا يا سعادة القاضي. أنا أقول فقط إنني أتعلم بالمراقبة. إذا كنتُ مخطئاً، فربما راقبتُ بشكل خاطئ".
ساد الصمت الغرفة، وشعر القاضي بتغير في الأجواء. كانت نبرة منصور بريئة، لكن كلماته أصابت شيئاً أعمق. لم يعد الناس يضحكون، بل كانوا يستمعون بإنصات.
نفد صبر التاجر وقال: "إنه يتظاهر بالبساطة! إنه يلوّي الكلمات!".
رد منصور بلطف: "أنا لا ألوّي الكلمات، أنا أمسك بها مستقيمة، ولهذا السبب تبدو أحياناً عوجاء".
مرت موجة من الضحك غير المريح في الحشد. نقر القاضي بعصاه على الأرض الحجرية: "منصور، هل تدرك خطورة الوقوف أمام هذه المحكمة؟".
قال منصور: "نعم، ولهذا السبب أنا حذر".
كرر القاضي: "حذر؟".
أجاب منصور: "نعم، أنا أقول فقط ما أراه. إذا كنتُ أتحدث بحماقة، فذلك لأنني رأيتُ حماقة. وإذا كنتُ أتحدث بحكمة، فذلك لأنني رأيتُ حكمة".
احمر وجه التاجر غضباً: "إنه يهين السلطة!".
رفع منصور يديه محتجاً: "لا يا سيدي، أنا أحترم السلطة كثيراً، ولهذا السبب أقلدها".
لم يستطع الناس كبت ضحكهم الآن، حتى أن بعض الكبار غطوا أفواههم لإخفاء ابتساماتهم. شعر القاضي بوقاره ينزلق، ولكن تحت انزعاجه تحرك شيء غير مريح: "الإدراك". فكلمات منصور، السخيفة في الظاهر، عكست عادات لم يشكك القاضي فيها أبداً. كم مرة تكلم دون أن يستمع؟ كم مرة اعتمد على منصبه بدلاً من الوضوح؟
تابع منصور بصوت هادئ: "إذا كان من في السلطة يتحدثون بإنصاف وصبر، فإن من تحتهم سيفعلون الشيء نفسه. إذا صرخوا، سيصرخ الآخرون. وإذا استخفوا، سيستخف الآخرون. أنا مجرد تلميذ لما أراه".
ساد السكون في قاعة المحكمة. نظر الناس إلى القاضي، لم تكن أعينهم مثبتة على منصور الآن، بل عليه هو. في تلك اللحظة، اختل توازن الغرفة؛ فالسلطة التي لم تكن موضع شك من قبل، أصبحت قيد الفحص، ليس من خلال تمرد أو اتهام، بل من خلال تقليد بسيط.
اعتدل القاضي في مقعده وقال ببطء: "يجب أن تُسترشد هذه المحكمة بالعدالة، وليس بالكبرياء. إذا كان هناك سوء سلوك، فسيتم التعامل معه بإنصاف". ثم التفت إلى التاجر قائلاً: "شكواك لا تستند فقط إلى أفعال منصور، بل إلى افتراضات. إذا كانت التعليمات غير واضحة، يتبعها سوء الفهم. وإذا تصرفت السلطة بقسوة، تنتشر القسوة".
فتح التاجر فمه للاعتراض لكنه صمت تحت نظرة القاضي الثابتة. وتابع القاضي: "أما بالنسبة لـ منصور، فقد يبدو أسلوبه أحمق، لكن كلماته تكشف عن درس. ليتذكر جميع الحاضرين أن السلطة يجب أن تكون جديرة بالتقليد".
ارتفعت همهمة استحسان من الحاضرين. انحنى منصور بعمق وقال: "شكراً لك يا سعادة القاضي. سأستمر في المراقبة بعناية".
مرت ومضة من التسلية الممزوجة بالتردد على وجه القاضي، ثم أُغلقت القضية. لقد استُعيدت العدالة، ليس بالعقاب، بل بالتأمل.
بينما عاد منصور إلى ضوء شمس مدينة الأنوار الساطع، ركض الأطفال بجانبه يضحكون ويسألونه عما حدث. ابتسم بطريقته المعتادة وهز كتفيه قائلاً: "لقد قلتُ الحقيقة فقط".
وفي أزقة المدينة، حيث يسير الكبرياء والضحك جنباً إلى جنب، ظلت قصة منصور والقاضي تُروى لأجيال، ليس كحكاية تمرد، بل كتذكير بأن الحكمة أحياناً ترتدي قناع الحماقة، وأن السلطة، عندما تواجه عبثية صادقة، قد تعيد اكتشاف أفضل ما فيها.
